الجبـــــل

مرحبا بكم في منتدى الجبل

ابوفهد حسان البحري
الجبـــــل

منتدى الجبــــــــــــــل

الوزير وئام وهاب في قرية رساس دعوة من ابو فهد حسان البحري
إعلان عام: وفاة الشيخ أحمد سلمان الهجري شيخ العقل الاول لطائفة المسلمين الموحدين في محافظة السويداء
شكر وتقدير الى كل من عزانا بالشهيد قيصر هيسم البحري
إعلان عام: لقاء وطني في قرية رساس يضم كافة الشرائح

اسماء الشعراء الذين فازو في مسابقة شاعر منتدى الجبل الاول لعام 2010(الفائز باللقب ابوسلمان سند ركاب من صلخد الفائز الثاني المهندس ياسر الشمعة من حوط الفائز الثالث الشاعر ابو سلمان ماجد رضوان من السويداء الفائز الرابع الشاعر ابو اسعد مروان الحلبي من عرمان الفائز الخامس الشاعر سامر ابو راس من الرحى

اسماء لجنة التحكيـــــم في مسابقة شاعر منتدى الجبل الاول لعام 2010 الشاعر القديرابو اسماعيل فوزات العبدلله والشاعر والاديب ابو وائل ممدوح ابو حسون والشاعر ابو ربيع عدنان علم الدين والشاعر الرحال ابو تمام بشار ابو حمدان والشاعر ابو ناصر حازم النجم كل الشكر والتقدير لهم


    الرواية في جبل العرب وثقافة المقاومة

    شاطر

    ????
    زائر

    default الرواية في جبل العرب وثقافة المقاومة

    مُساهمة من طرف ???? في الثلاثاء 1 يونيو 2010 - 21:01

    لا تدعي ملامستنا للرواية في جبل العرب الإحاطة بنشأتها وتاريخها وإعلامها وموضوعاتها وأشكالها الفنية ــ ما سأقاربه هو كيف انعكست أشكال المقاومة في بعض الروايات الصادرة في جبل العرب، وما تحمله من خصوصية محلية لا تعزلها عن السياق العام للرواية السورية والعربية والعالمية.‏

    اعتمدت في مداخلتي على اختيار ثلاث روايات، ومبرر الاختيار تقارب الموضوعات، وتشابه الأجواء العامة وتعاقب الأزمنة فهي تغطي فترة تجربة الثورة ومقاومة الاحتلال الفرنسي وتنتهي عند السبعينات من القرن الماضي / بحرب تشرين/.‏

    الروايات هي: البراري لمحمد رضوان، جهات الجنوب لممدوح عزام، التجذيف في الوحل، لجميل سلوم شقير...، ما يجمع الروايات من الناحية الموضوعاتية هو العودة إلى حاضنة التاريخ.‏

    الرواية تاريخ من لا تاريخ لهم:‏

    العودة إلى التاريخ لا تعني بحال من الأحوال إعادة سرد الحوادث كما حصلت في الواقع مع العلم أن الرواية من أقدر الفنون الأدبية على تسريد العالم والتاريخ، فنحن لسنا بحاجة إلى تاريخ يكرر الوقائع المعروفة، والعودة إلى حاضنة التاريخ لا تقدم جديداً إذا لم تجب على أسئلة الحاضر، لتساهم هذه الأجوبة في صناعة المستقبل بوصفه ماضياً سيأتي.‏

    كل كتابةٍ للتاريخ، والتاريخ لا يكتب مرةً واحدةً وإلى الأبد، خاضعة بالضرورة للتصور المزامن للحظة الكتابة، والتاريخ كتب تحت تأثير التصورات المهيمنة في مراحل التدوين، وهو بالتالي يعكس وجهة نظر كاتبيه، أو لنقل تحديداً القوى الحاكمة التي لا تكتب ضد مصالحها، ولا تجيز إلا تعميم نمط تفكيرها ولا تعترف إلا بحاجة حلولها، وتعمل جاهدة على نشر ذائقتها وكأنها النموذج الرفيع للذوق.‏

    العلاقة بين الرواية من فعل /روى، يروي/ يعني الكتابة عن الماضي، /التاريخ/ وهذا يطرح إشكالية العلاقة بين الروائي والمؤرخ، ونحن لسنا بصدد التفريق بينهما، فالمؤرخ يعتمد الموثوقية في الأحداث، ويتوخى الحياد والموضوعية والأمانة للوقائع ما أمكن، وإن تعذر ذلك عملياً، لأننا جميعاً نقارب أعمالنا بتحيز مسبق تمليه علينا ثقافتنا ومواقفنا وأهواؤنا، أما الروائي فعمله وإن تقاطع مع المؤرخ في حقل الماضي، فله أدواته ووسائله وطرائقه التعبيرية ولغته التي تخرج عن الوظيفة الإبلاغية في التاريخ، إلى وظائف أخرى فنية تقوم على المجاز والانزياح والتخييل فالرواية أصلاً عمل تخيلي بنائي لا يرتهن إلى موضوعية الوقائع. والروائي يعيد كتابة التاريخ عند تأويله وتقديمه، حسب زاوية الرؤية التي يقف عندها وما يملكه من ثقافة ومعرفة وتفهم للعالم وعلاقاته، إنساناً ومجتمعاً، وطبيعة، قل لي أين تقف أقل لك ماذا ترى. إذا كان التقدم هو تاريخ المنتصرين المستمر على جثث الضحايا، فإن التاريخ الوحيد الواجب كتابته، هو تاريخ الضحايا المتجانس في جميع الأزمنة، نحن بحاجة إلى ولادة تاريخ جديد يقوم على العدل لا على الانتصار، لأن جوهر المنتصرين هو الحروب والكوارث، والروح الإنسانية لا تظفر بسلامتها إلا بولادة تاريخ جديد.‏

    مواجهة الصيغة الرسمية للتاريخ التي تصور تاريخ المنتصر، بجوهر حقيقي غائب، يحرس ذاكرة المغلوبين ويدافع عنها، مقابل تاريخ وذاكرة وأمجاد المنتصرين الذين يكتبون تاريخهم الذاتي كما يشاؤون كما يكتبون تاريخ ضحاياهم الذين يمنعونهم من الكتابة. المغلوبون لا يحتاجون إلى تاريخ إلا إذا استثمروه في معارك لا تجدد هزائمهم.‏

    هزيمة المغلوبين في الحاضر هي هزيمة من فاتهم النصر في الماضي، والمنتصرون يمضون /يمشون/ فوق جثث المغلوبين في كل الأزمنة، وهكذا يصبح الخطر على الأحياء خطراً على الأموات، فالمنتصر ما زال يتابع انتصاراته، والتاريخ هو تعاقب انتصار الأقوياء الذين يمشون في موكب واحد.‏

    هنا تبرز الحاجة الماسة إلى مواجهة الذاكرة السلطوية المسلحة بالهامة المتعالية وبتواطئ المؤرخين، بذاكرة مفتوحة على المغيبين من صفحات التاريخ الرسمي، بعيدة عن متاحف المنتصرين وزيفهم، ذاكرة تبقي الشهداء بمأمن من الاحتكار والمصادرة، وتفتش عن انتصار الذين لم ينتصروا بعد.‏

    الروائي بما يملكه من طاقة إنسانية وموهبة ورؤيا، المؤهل لإعادة كتابة التاريخ والانحياز إلى صفوف المضطهدين والمهمشين والمنسيين والمقصيين عن الفعل، وهم في الحقيقة صناع التاريخ.. الناس البسطاء بدأبهم اليومي وقدرتهم على المقاومة والصبر على اضطهاد المتسيدين، ثم تمردهم والثورة عليهم... إنهم يصنعون تاريخهم وتاريخنا.‏

    العودة إلى التاريخ من قبل الروائي تقدم إجابة على سؤال راهن تهدف إلى تفجير ما يحمله القارئ من مخزون قيمي وانفعالي كامن في اللاوعي الجمعي، ذلك المخزون يملك قدرة هائلة على التأثير في سلوك الأفراد والجماعات ويحدد ردود أفعالهم، فنحن لا نتصرف وفق معطيات الحاضر، وإنما بفعل تراكمات الماضي التي تتقاطع مع حمولات ما نكوّن من معرفة وثقافة، وما نقرأ من أدب، فالنص وإحالاته الدلالية يتفاعل مع المخزون المعرفي في ذواتنا كقراء، فيتجاوز النص ذاته إلى ما يقع خارجه، إلى سياقاته التاريخية، وتأثيراتها ويتنقل إلى الموقف الراهن الذي يتجلى فيه النص التاريخي وعلى نحو يفارق النص فيه تاريخيته ويفقد الواقع واقعيته لينشأ من خلال عملية التفاعل بين النص والقارئ موقف إدراكي جديد يوجهه الموقف الراهن الذي يكونه القارئ.‏

    سؤال الراهن، /كما اعتقد/ هو المحفز للذهاب إلى مرحلة تاريخية بعينها أو إلى شخصية تاريخية محددة... اختيار الروائيين الثلاثة لمرحلة تاريخية (مقاومة الاستعمار الفرنسي وما تلاه من أشكال المقاومة في الداخل والخارج ليس احتماءً بعباءة التاريخ، وإنما استنهاض أجمل وأروع ما في تاريخ محافظة جبل العرب، تلك العودة اتصال للزمان وإحياء للتقاليد الأصيلة في عشق الحرية والدفاع عن الأوطان، القيم التي نحن في أمس الحاجة إليها في عصر القطب الواحد والتسلط الوحشي وسياسات الإملاءات الخارجية والإقصاء والإلغاء واحتواء الآخر وعدم الاعتراف بحقه في الاختلاف، وفرض التنميط وسيادة ثقافة التلقين. وتأليه السلطة وربوية السوق.‏

    العودة إلى الماضي شكل من أشكال مواجهة الحاضر وبناء المستقبل وهذا هو مبرر اختيارنا عنوان المداخلة (الرواية في جبل العرب وثقافة المقاومة) مضحين بما لا يمكن التضحية به وهو تناول الأبنية الفنية للروايات المذكورة مركزين موضوعنا على المحتوى أكثر من تناول الشكل على ما في الروايات الثلاثة من متعة جمالية وبنية فنية على اختلاف في المستوى، مع العلم أن الشكل الفني واختيار الأساليب الحديثة (الوعي الجمالي) هو سلاح مقاومة ضد القديم والمتخلف وهو خيار أكثر من فني جمالي. إنه موقف اجتماعي ووعيٌ حضاري، وقضية معرفية. فكرة المقاومة بأشكالها المختلفة والانحياز إلى مقولة التغيير وهز الراكد وتحريكه هي الموضوع الأبرز في الرواية في الجبل مجسدةً بأشكال فنية مختلفة تبعاً لثقافة الروائي وما يملكه من إمكانياتٍ تساعده على إدراك الواقع وتملكه جمالياً.‏

    إدراك الواقع /أو مقاربة الحقيقة/ تساعد الكاتب على صياغة التعميمات الفنية لأن الفن والإبداع لا يمكن أن يسيرا باتجاه يعاكس الحقيقة بوجهيها المطلق والنسبي، والمعيار المجدد في الأدب والفن عموماً، ليس ما قيل وإنما كيف قيل فأنبل الموضوعات وأكثرها حساسية وراهنية لا تضع وحدها أدباً لأن الأدب في النهاية /هو الشكل الفني/ الذي لا يمكن تجريده وعزله عن محتواه فلا شكل بلا محتوى ولا أدب بلا موقف وقضية وجدت تجسيدها الفني الأنسب.‏

    البراري: لمحمد رضوان‏

    تدور رواية /البراري/ على عدة محاور، في خطوط متوازية أحياناً ومتقاطعة أحياناً أخرى، يتنقل لنا الصراع الدائر في قصر الأمير وتصدع ذلك القصر بفعل تناقضاته الداخلية، والقتال من أجل الزعامة فيه ــ على خلفية الاحتلال الفرنسي للمحافظة، التجربة المعيشة لأبناء المنطقة والتي أمدت الروائيين بمخزون حكائي غني وفر لتخيلهم السردي مادةً دراميةً حكائيةً ثمينة.‏

    رواية البراري توقظ التاريخي في محاولة ترهيبه، عن طريق الدلالة، والتوسع فيها، والربط والمقارنة، بما تتيحه للقارئ من فعل المشاركة وإمكانيات إعادة إنتاج النص وفق متطلبات الحاضر... أبرز ما يلفت النظر في الرواية قدرة الكاتب على التقاط الأساس الأول للمقاومة، وهو حب الأرض والتمسك بها، فبلا أرض يقف عليها المقاوم لا تتشكل مقاومة، ولنا في دلالة العنوان ما يكفي تسمك أبناء الجيل بأرضهم أثناء الغزو العثماني وحتى قبله وبعده وأثناء الاحتلال الفرنسي ودفاعهم المستميت عن منطقة صخرية غالباً ما تصاب بالجفاف والقحط، وخلق علاقات دافئة بين الأرض /المكان/ والإنسان وما يحيط به، من صوان وجبال وأودية ــ بوصف جماليات المكان والوقوف عند تفاصيله وتمجيد تلك الأنامل التي طوعت هذا البازلت لتخلق من صلابته نوعاً جديداً من الحياة، في أرض أجدبت وجفت ينابيعها، وراح الناس يقتاتون بلحم البهائم والأعشاب البرية وجذور النباتات والحشرات.‏

    وصف المكان وأنسنته ومشاركته لأبناء المنطقة مشاعرهم وانفعالاتهم وتوظيفه في أكثر اللقاءات حميمية /اللقاءات الجنسية/ كمشارك في الفعل، رفع المكان والدفاع عنه في رواية البراري على مقام البطولة الروائية /هذه الظاهرة/ ستتكرر في الرواية في جبل العرب حيث ستبلغ ذروتها القصوى عند ممدوح عزام، في تكريس المكان كحامل للبطولة الروائية /أرض الكلام/.‏

    لقد أكتسب أبناء الجبل القوة والصلابة من صخور بلادهم، كما أفاضوا عليها من رقة قلوبهم وعطفهم حتى رقت ولانت... فأعادوا تشكيلها وفق مشيئتهم واحتياجاتهم الوطنية والإنسانية.‏

    صراع القصر /الإقطاع/ قبل الاحتلال الفرنسي، وبروز شخصيات /المقاومة/ كإسماعيل الخصم العنيد للأمير والمنافس والغريم في حب /زمردة/ وعلى المنصب... إسماعيل الذي ذهب ضحية غدر الأمير وغيرته من قيم الرجولة المفقودة لديه والمتوفرة عند خصمه /قصة حب إسماعيل لزمردة/ القيمة والدلالة/.‏

    دخول القوات الفرنسية واستضافة الأمير لهم في قصره والتحالف غير المقدس بين الإقطاع المحلي وقوات الاحتلال... مقاومة المستعمرين، وثورة /شمس/ والموقف منها، الموقف النقدي من رجال الدين لموقفهم من المتعاونين مع الثوار ومع قائدهم /شمس/ يضرب الحرم عليهم.‏

    استمرار الإمارة تحت حراب المحتل وقبول شروط "كولييه" ورد سلطان على المستسلمين والمتخاذلين "الجبل طول عمرو مارضي بالذل لكن هيك بدو الأمير وأعوانه".‏

    أشكال وصور المقاومة ووحشية الفرنسيين، مشهد حرق القرية وجنازة حمود الابن الوحيد... وبكاء الشيخ عليه وهو يتلو الصلاة... أبو علي محمد الزيبق وحماره (إنه كبقية الأبطال المجهولين الذين سوف ينساهم التاريخ والبشر والأمكنة تداعيات المقداد قبل استشهاده، لوحة الصمود والبؤس الممزوج أحياناً باليأس من الانتصار في مواجهة لا تكافئ فيها.‏

    لعل شخصية الأمير كبناء فني من أهم شخصيات البراري فهي شخصية إشكالية درامية تحمل صداعاً مزدوجاً، بين الولاء للاستعمار والحرص على الامتيازات الطبقية، وبين ما تبقى من ولاء للوطن وصيانة الهيبة أمام الناس... هذا الصراع بلغ ذروته عندما قرر الأمير... قتل ابنه منصور لتمرده عليه وتطوعه في صفوف جيش المحتل... لم يصور الكاتب الأمير وحشاً خالياً من الإنسانية، وإنما حافظ على بذور وطنية وإنسانية فيه، وجعله يشارك في المعركة ضد المحتل. في الرواية شخصيات كثيرة ومواقف معبرة عن القدرة على الصمود والمقاومة من أبرزها شخصية /طلال/ وقصة حبه /لندى/ وانتظارها له وتحدي الأمير وكسر رغبته في الزواج منها على علمها بقصة طلال وأسره ومسيرة حياته الكفاحية وتقولات ابن الأمير والدعاية التي بثها حول وفاته.‏

    كواكب الشابة التي بيعت لرجل طاعن في السن... ومقاومتها لهزاع عند محاولة اغتصابها... ليندا ورفضها الزواج عنوة من ابن الأمير...‏

    ولكن من أهم الشخصيات النسائية وأرفعها مقاماً في الرواية شخصية /بندر/ المرأة الحكيمة التي كانت ترى أبعد من مصالحها الشخصية والطبقية، انحازت لصالح المظلومين والفقراء وكانت ترى الوطن فوق الإمارة، جسدها في القصر وعقلها وقلبها مع الناس والوطن... نجد صورة أعمق في "قصر المطر" شخصية /ثنيه/ ظاهرة لافتة في الرواية في جبل العرب، رفع المرأة إلى دور البطولة وتقاسمها مع الرجل اعترافاً بحقها في التكافؤ والمساواة في الحقوق أخذت مكانتها في الرواية من قدرتها على التحدي والمواجهة واختراق المألوف فاكتسبت موقعها الذي تستحقه.‏

    إذا كانت البراري تتوقف زمانياً عند رحيل الثوار وتوقف الثورة واستمرار القصر المتخالف مع الاحتلال مع كل تصدعاته وفضائحه ونكساته فإن جهات الجنوب وإن تقاطعت معها في تصوير فظائع المحتل وإبراز مختلف أشكال المقاومة عن طريق /الاسترجاع/ فإنها تركز على مهاجمة قوات الكولونيل الجيش الوطني للمحافظة الجنوبية من الوطن المحرر /زمن الوقائع/ لتأديب المعارضة وتدجين ما تبقى من رجالات الثورة الذين صنعوا مع إخوتهم في المحافظات الأخرى الاستقلال فانهارت لديهم فرصة الحلم واصطدموا بفاجعة انكشاف الوهم بهزيمة 1948 وتتابع الديكتاتوريات العسكرية.‏

    حالة الإخصاء التاريخي، في العجز عن صياغة مشروع متكامل لمواجهة العدو الخارجي الذي يهدد الأمن والوجود، أدى إلى نكوص على الذات لمواجهة ما يسمى بالعدو الداخلي /المعارضة/ فيصار إلى مصادرة الحريات، بمقدار التهاون مع العدو الخارجي وتراجع المواجهة معه، تزداد حدة القمع والتسلط في الداخل وكلما ازداد الضغط الداخلي واشتد ساعد المعارضة ارتفعت الشعارات الطنانة للتصدي للخطر الخارجي وازداد قمع الداخل بحجة الهجمة الخارجية /نظرية المؤامرة/.‏

    الرواية لا تدخل في تفاصيل اللوحة السياسية للأحداث لكنها تقول بصوت عالٍ إن هذا العمل أكثر وحشية وهمجية من فظائع قوات الاحتلال. أيام الاجتياح هي المهد الذي ولدت فيه الشخصيات وكشفت عن جوهرها وبينت مخزونها الكفاحي الوطني الإنساني.‏

    يونس /البطل المستباح المعطوب/ رجل الخيبات:‏

    يونس لم يغادر وطنه فحسب وإنما هاجر من زمانه أيضاً" يونس مناضل من أجل الاستقلال، وقبله عامل في فلسطين، أمضى نصف عمره منفياً في جزيرة الشيطان... عاد إلى وطنه المحرر يبحث عن زوجته وعن منزله وأطفاله.‏

    تطورت شخصية يونس وكشفت عن جوهرها الحقيقي وعن معاناتها ومعدنها الأصيل من خلال مواجهة الأحداث التي وضعته في المقدمة منها دون وعي مسبق منه بموقعه الجديد /تجديد المقاومة/ فهو مرهق من السجون ومتعب من المقاومة، الأحداث قذفته في اتجاه البحث عن الزوجة التي لم يجدها في المنزل... البحث عن الزوجة يتوازى مع البحث عن الوطن الضائع...‏

    لجوء النجومي المقاوم إلى بيته وقتله ضاعف إحساس يونس بالمواجهة والتحدي... وخاصة بعد سجنه وتعذيبه وزيارته لزوجة النجومي بعد قتل زوجها...‏

    معركة يونس مع الضبع /ببعديها الواقعي والدلالي/ وانتصاره عليه، بفعل قوة الإنسان الكامنة في نبل أهدافه، المعركة الرمز ودلالة الضبع وتزامن المعركة مع عملية تفتيش بيت النجومي، وخروج شبيب من السجن، وعودة يونس إلى صدر "يمامة" التي أحبها قبل زواجه، وبكاؤه على صدرها ورفضه القربان الذي قدمته على مذبح إنسانية يونس المهدورة حيث وهبته نفسها وهو القلق المعطوب المصاب بالذعر والاستيلاب، إعراض يونس قيمة أخلاقية فنية.‏

    إذا كان يونس بطلاً روائياً في جهات الجنوب، فإن النجومي بطل تاريخي، كان النجومي واحداً من القلة الذين منحهم الله قوة الرؤيا... النجومي البطل النموذجي الذي يعكس جوهر المرحلة التاريخية ويجسد القيم فيها، والقيم هنا مواجهة الاستعمار والنضال من أجل الاستقلال، ثم مواجهة القمع الوحشي... النجومي قائد شعبي، مقاوم عنيد ضد الفرنسيين، أمين وصادق، صاحب صندوق الأمانات، وهو الذي هاجم قصر الحاكم الفرنسي وأطلق سراح أبناء الراغب فاستحق احترام الشعب، بطل شعبي يحمل على الأكتاف وتغنى له الأغاني، يهرب من بيته ويختبئ عند يونس ثم يلقى عليه القبض، ويهان ويضرب ثم يعدم، كآخر رمز من رموز المقاومة في الرواية. خطاب نص جهات الجنوب باختصار يسيء إلى الرواية يقول:‏

    1ــ الذين صنعوا الاستقلال، أصبحوا أولى ضحاياه.‏

    2ــ غياب الديمقراطية، وجعل الهلع خبز المواطن اليومي يؤديان إلى ضياع الوطن والإنسان...‏

    التجذيف في الوحل‏

    وجميل شقير‏

    تمتد الرواية في الزمن حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حتى نهاية حرب تشرين وتتوقف عند نتائجها في إلماعات مقتضبة، تتقاطع مع الروايتين الأخريين في تغطية أحداث الثورة وما حصل للثوار حتى ترحيلهم وتوقف الثورة.‏

    لتغطية المرحلة وامتدادها الزمني استخدم الكاتب أسلوب الأجيال /الرواية الهزية/ جيل الثورة وأبطالها ومن أهمهم إذا نحينا شخصية /سلطان الأطرش/ وقد أصبحت شخصية تاريخية رسمية وفق الكاتب في حل إشكالها المتمثل بين كونها شخصاً تاريخياً، وشخصية روائية تقوم على المتخيل. العلاقة بين الواقعي والخيالي في مثل شخصية سلطان محفوف بالمخاطر... بين المرجعية الواقعية /الوثائق/ وبين خلق شخصية روائية لا تطابق بالضرورة مع مرجعيتها الواقعية.‏

    عساف وزوجته زهيرة وابنته فرنجية بالتوازي مع شخصيات أبو الهواش، الهواش، مطاوع الذي يقابله سالم ابن فرنجية ابنة عساف من الملازم الفرنسي.‏

    الحامل الفني للرواية من وجهة نظر (ثقافة المقاومة) معاناة وردود فعل عساف على ما ألم به من محن وبخاصة اغتصاب زوجته زهيرة من قبل الملازم الفرنسي، وإنجاب طفلة تشبه أبيها الفرنسي وتسمى (فرنجية) لبياضها تشبيهاً بالإفرنج... الواقعة قاصمة الظهر في مجتمع مغلق محافظ يعتبر الشرف قيمة عليا ويحصره في مبدأ العفة والطهارة الجنسية... /عدم انكسار عساف من الداخل ومواصلته لفعل المقاومة وتعاليه على جرحه/.‏

    قصة حب الهوامش لفرنجية ومنعه من الزواج منها... ثم علاقته السرية بها... أبو فواز المرابع وزواجه، وابنه الوزير وحفل التأبين! مطاوع ابن الهواش الضابط في الجيش ونقيضه المعايش له في الزمن الروائي والواقعي سالم ابن زوج فرنجية، وتحميل فرنجية مطاوع مسؤولية قتل ابنها في الحرب.‏

    شخصية عساف رمز مكثف للمقاومة، مقاومة الاستعمار الفرنسي بصفته مغتصباً للوطن من جهة ومقاومة عساف لمحنة اغتصاب زوجته /اغتصاب عام واغتصاب خاص/ والعدو واحد...‏

    غناء عساف عندما حمل زوجته وبينهما على ظهر جواده /فرنجية/ شاهدة الجريمة وشهيدتها... غنى عساف في أروع موقف للبطولة الفردية والتعالي على الجراح الصغيرة من أجل شفاء الجرح الأكبر‏

    يا ديرتي مالك علينا لوم‏







    لا تعتبي لومك على من خان‏



    وخان هنا تحمل دلالات كثيرة لعل أقساها وأوجعها اغتصاب زهيرة، لكن عساف يدرك وكما قال له عمه الشيخ المسن: عساف إياك تتعدى عالحرفة، زهيرة انغصبت يا عساف، والغصيبة ما عليها لوم. والطفلة فرنجية صفحة بيضاء شو ذنبها باللي حصل خلي بطاينك واسعة، حط عينك بعين الله، وارتاح يا ولدي".‏

    لكن كان على زهيرة وفرنجية أن تسددا دين الثورة وثمن حماقات سلطان مع الفرنساوية... لولا الثورة لما اغتصب موليه زهيرة، لولا المقاومة لما كانت حكايات البطولة...‏

    عساف كان يدرك أن زوجته بريئة وأن الطفلة لا ذنب لها فيما حصل، وقد عزز موقفه وقواه، قائد الثورة باحتضانه الطفلة التي كان يجلسها على ركبته ويداعبها، وقد أهداها ذهبية سرقت منها في زمن لاحق من قبل المفتشين عن الآثار، ربما للمساهمة في شراء جزيرة في عرض البحر أو في إتمام مشروع النفق تحت نهر المانش. تقبل الثوار وقائدهم لمشكلة عساف واحتضان القائد له يفرز بيت من الشعر لإسكان العائلة ومنحه عنزات وجمالاً لتعلم استخراج الملح ثم تكليفه بقيادة عملية تحرير السجناء من قلعة صلخد، خففت من عمق جراحه، وأعطته دفعاً قوياً للاستمرار في المقاومة، وهي قيمة جمالية عساف بعد موته مقتولاً من قبل أحد أصحابه /راضي/ لم يتخلص من المآسي حتى قبره قد نبش، وربط الكاتب بين نبش القبر مع هزيمة حزيران ذو دلالة عميقة وكذلك خطبة مطاوع ابن الهواش من حفيده راضي يفضي إلى أسئلة كثيرة... وفي الرواية لمحات آسرة كثيرة... شخصية عساف، ومحنته وعلاقته بالملازم مولييه وأسره له وعدم قتله، والحوار بينهما في المغارة ونهاية الملازم والرسالة التي تركها تحتاج إلى وقفة خاصة لا تسمح بها هذه العجالة ولكن لابد من التنويه إلى همجية المحتلين وشهامة الثوار، عساف يقول: ضرب المقيد نذالة".. العلاقة الضدية بين الملازم وعساف وحالة الوئام في المغارة تغري بقراءات متعددة لعلاقة الأنا بالآخر ومشكلة العدو... وهل هناك عداوة مستمرة في كل الظروف /عساف/ في لحظة ما كان عدواً أو مخلصاً للملازم.‏

    على غرار الروايتين السابقتين حفلت رواية جميل شقير بمواقف بطولية، احتلت المرأة حيزاً هاماً فيها فإضافة إلى البطولة المأساوية لزهيرة وافرنجية هناك القابلة مشايخ التي قال عنها القائد: مشايخ ما بتقل عن أي واحد من الثوار... رفضت ترجع على البلاد وتستسلم مشايخ هذي أفضل من كمشة مشايخ نايمين في الجبل تحت أقدام الفرنساوي، أما زليخة فلا تقل بطولة في مواقفها عن مشايخ، تحدي نعايم وحبها للمرابع سلمان وزواجها منه.‏

    تبقى قصة حب الهواش لفرنجية وعدم زواجه منها علناً من قصص الحب المعبرة والتي تشد القارئ إليها وهي من القصص التي يمكن أن يقال فيها "إن قصة حب حقيقية قادرة على إنهاض العالم" والحب هنا ليس علاقة بين اثنين وإنما قيمة إنسانية حضارية عدم زواج الهواش من زهيرة، مفهوم تحت ضغط المجتمع ولكن زواجه منها بعقد زواج شرعي سري من الصعب أن يفهم، فهل عقد الزواج وحده الذي يحدد شكل العلاقة بين المحبين أو الحب الذي يعتبر أصدق وثيقة تربط بين قلبين /الإمكانية المطلقة والإمكانية الفعلية/.‏

    أما صرخة فرنجية التي جنت بعد استشهاد سالم: كلكم نسيتوا سالم، يخرب بيوتكم، سالم علم أولادكم، راح يخدم إجباري.‏

    نعم لن ينسى تاريخ الرواية سالم ولا غيره من المهمشين والمقصيين من التاريخ الرسمي... الجديرين بحمل أوسمة الوطن‏

    خلاصة ونتيجة:‏

    جسدت الرواية في جبل العرب قيم البطولة ومقاومة الاستعمار وركزت على المكان بصفته حجر الزاوية في المقاومة ورفعته إلى مقام البطولة في أكثر الأعمال الروائية.‏

    قاومت الرواية العادات والتقاليد البالية وهزت منظومة القيم الأخلاقية وبينت بأن القيم من صنع الإنسان وهي ليست ثابتة وإنما متغيرة بتغير الأحوال والناس.‏

    ساهمت الرواية بتنمية الوعي الغني باختيار الأساليب الحديثة والانفتاح على التجارب العربية والعالمية في فن الرواية. أكدت الرواية في الجبل على الخصوصية المحلية (البيئة والإنسان ــ العادات والتقاليد) لأبناء المحافظة في غير انغلاق وتعصب بل وانفتاح على الآخر ثقافة وحضارة، فكانت بحق ديوان الجبل رفعت من مكانة المرأة بتوزيع البطولة بينها وبين الرجل والانتصار لها في نضالها من أجل حقها في المساواة في الحقوق والواجبات انتصرت للمتعدد. بتقسيم البطولة بين الشخصيات الروائية والتخلص من مفهوم البطل الواحد /الفرد المتعالي/. وبذلك أصبحت البطولة مركباً جماعياً متظافراً من الشخصيات والطبيعة وتعاون أبناء الشعب وتلاحمهم والكشف عن عظمة الإنسان الخارج من قلب هذا الشعب والضاربة جذوره فيه.‏

    دافعت عن المشاعر الإنسانية وعن الإنسان كأغلى قيمة في الوجود كما أدانت الرواية البشاعة وعرت الواقع الظالم وكشفت أقبح القوى الغاشمة في هجومها على الإنسان لتحطيم بنائه الداخلي.‏

    والرواية بصفتها بناءً حوارياً يقوم أساساً على تنوع الشخصيات واختلاف مستويات اللغة، وتعدد الرواة، وتباين وجهات النظر والاعتراف بحق الآخر في الوجود والتعبير عن نفسه، وهي كبنيةٍ تقوم على تآلف المختلف وتشكل وحدة متلاحمة من الإنسان، تعبر عن رفض الإقصاء والإلغاء والتفرد وتحارب الواحد بإطلاق المتعدد. وتساهم في بناء إنسان حرٍ من الداخل خارج شروط الواقع /بفعل سباقات التخيل/ إنسان مؤمن بإنسانيته وبحقوقه.‏

    أساس المقاومة البناء الداخلي للإنسان ومنع انهياراته التي تبدأ من الداخل قبل مواجهة الخارج، والرواية تحتل مكان الصدارة في الفنون الأدبية لاتساع صدرها لكل المعارف البشرية والتقنيات الفنية وحتى الأنواع الأدبية فهي تقاوم ثقافة التلقين وتنمي لدى التلقي حس التمرد والرفض لما هو سائد ومألوف... الرواية في النهاية هي الحياة... لكن حياة من لا تاريخ لهم في المقام الأول. تقرأ الرواية في سياقات متنوعة وأزمنة مختلفة، وتقدم دلالات غنية تتجاوز شرط وجودها الأول /المؤلف/ وتخطي عبودية قصدية النص بانفتاح الأفق الدلالي الذي يشكله القارئ على اختلاف موقفه وزمانه وهي بذلك تتجاوز الواحد وتمهد الانتقال إلى زمن المتعدد. إنها أفضل وسيلة لتعلم وتعليم الديمقراطية التي تزداد حضوراً وإلحاحاً في الذهن بمقدار غيابها عن الواقع. وهذا ما سيعكسه ممدوح عزام في رواية (أرض الكلام)
    بقلم عاطف عطا الله البطرس

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 25 أبريل 2018 - 8:15